محمد محمد أبو ليلة
16
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
بين أيديهم وبأيمانهم في الدنيا والآخرة ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم هو مثل المسلمين الأعلى ، وقدوتهم المثلى في جميع شؤون الدنيا والدين ، وإذا كان القرآن هو معجزته القولية ، فأخلاقه صلى اللّه عليه وسلم هي معجزته العملية . ولن تضل هذه الأمة أو تذل أو تزول ما دام هذا القرآن فيها يتلى ، وعلى سلوكها وعملها يهيمن ، وفي كل شؤون حياتها يطبّق ويحكّم . هذه هي أول دراسة نقدية شاملة على حد علمنا لآراء المستشرقين وبحوثهم حول القرآن الكريم ، وبالتحديد كما جاءت في دائرة المعارف الإسلامية تحت مادة القرآن ، وما يتصل به من موضوعات . إن دراسة ما جاء بهذه الموسوعة عن القرآن الكريم يعنى دراسة خلاصة ما انتهت إليه البحوث والمحاولات الاستشراقية في مجال الدراسات القرآنية بشكل عام . وإذا كان للمستشرقين جهودهم التي لا تنكر في خدمة البحث العلمي والاهتمام بالعلوم الإسلامية والعناية بالتراث الإسلامي ، وإذا كان لبعضهم فضل التنويه المنصف بقيم الإسلام والحضارة الإسلامية ، فإن لهم أيضا أخطاء وأغاليط ، وخروجا أحيانا كثيرة عن المنهج العلمي ، ينبغي إظهارها والرد عليها وبخاصة فيما يتصل بالقرآن الكريم ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم . وإذا كان الرد على المستشرقين ومن لفّ لفيفهم ، يعتبر واجبا على المسلمين في كل وقت ، فإنه في هذا العصر بالذات يعتبر من أوجب الواجبات عليهم ، فقد أصبحت الكلمة والصورة في وقتنا الحاضر أبلغ خطرا من الأسلحة والجيوش الجرارة ، وغدت أساليب الدعاية المدروسة أشدّ تأثيرا على الإنسان نفسه من الخطب والمواعظ المسطحة والعبارات المجنحة ، يستوى في ذلك الخاصة والعامة من الناس . والقرآن كتاب عالمي ، سواء أكان في لغته الأصلية ، اللغة العربية ، أم في الترجمات المختلفة التي ظهر فيها ، أم في الدراسات التي كتبت وتكتب عنه ، والتي تتفاوت قوة وضعفا ، وإنصافا وإجحافا ، وسطحية وعمقا ، وخطأ وصوابا ؛ ومن الملاحظ أن ترجمات معاني القرآن المبكرة وكذلك الدراسات التي قامت عليها ، والدراسات الإسلامية في الغرب بوجه عام قام بها علماء وباحثون غير مسلمين ، وأغلبهم إن لم يكن كلهم ، من رجال الدين اليهودي أو المسيحي ، وأما دخول المسلمين في هذا الميدان فقد جاء متأخرا ؛ وحتى ما يقدمه المسلمون ، سواء أكان في مجال الترجمة أم في مجال الدراسات والبحوث باللغات غير الإسلامية في معظمه ، ينقصه الكثير من الصقل والحرارة الأدبية والدقة في التعبير .